الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

361

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

تأتيهم البينة . وهذا يعني أن هؤلاء آمنوا بعدما جاءتهم البينة ، لكن الآيات التالية تدل على غير ذلك ، اللهم إلا إذا قيل أن المقصود إيمان مجموعة منهم وإن كانت قليلة وتكون المسألة من قبيل ما يسمى في المنطق " موجبة جزئية " . ولكن على أي حال نستبعد هذا التفسير ، ويبدو أن الفخر الرازي لهذا السبب وصف الآية الأولى من هذه السورة بأنها أعقد آية في القرآن لتعارضها مع الآيات التالية ، ولحل هذا التعارض ذكر طرقا متعددة أفضلها هو الذي ذكرناه أعلاه . ثمة تفسير ثالث للآية هو أن الله لا يترك أهل الكتاب والمشركين لحالهم حتى يتم الحجة عليهم ويرسل إليهم البينة ويبين لهم الطريق . ولذلك أرسل إليهم نبي الإسلام لهدايتهم . بناء على هذا التفسير ، هذه الآية تشير إلى قاعدة اللطف التي يتناولها علم الكلام وتقرر أن الله يبعث إلى كل قوم دلائل واضحة ليتم الحجة عليهم ( 1 ) . على أي حال ، " البينة " في الآية هي الدليل الواضح ، ومصداقها حسب الآية الثانية شخص " رسول الله " وهو يتلو عليهم القرآن . " صحف " جمع " صحيفة " ، وتعني ما يكتب عليه من الورق ، والمقصود بها هنا محتوى هذه الأوراق ، إذ نعلم أن الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يكن يتلو شيئا عليهم من الأوراق . و " مطهرة " أي طاهرة من كل ألوان الشرك والكذب والباطل . ومن تلاعب شياطين الجن والإنس . كما جاء أيضا في قوله تعالى : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ( 2 )

--> 1 - يجب ملاحظة أن " منفكين " جمع ( منفك ) يمكن أن تكون اسم فاعل أو اسم مفعول ، فعلى التفسيرين الأول والثاني تعطي معنى اسم الفاعل ، وعلى التفسير الثالث معنى اسم المفعول ، فلاحظ . 2 - فصلت ، الآية 42 .